منذُ عدّة أيام، أثناء استماعي إلى البرنامج الإذاعي (“غرين زون”، أو المنطقة الخضراء) المخصص لمناقشة القضايا البيئية، على قناة

،سأل مقدم البرنامج خبيراً تمت دعوتهُ للحديث عن اختفاء مخزون البحر المتوسط السمكي: كيف لم يدرك الإنسان العاقل المخاط Rai1

التي يواجهها الكوكب؟

Homo Sapiens Sapiens فيرد عليه الخبير بالقول: “حسناً يا سيدي، نحن من منحنا أنفسنا صفة الإنسان العاقل

“ألا يجب أن تقودنا هذه المعلومة إلى طرح بعض الأسئلة؟

سأخبركم عن تقرير قرأته يتناول نهر ميكونغ والذي أصابني بحزنٍ، هذا النهر الذي يعبر جنوب شرق آسيا، والذي لطالما فُتِنا بصور حقول الأرز المتدرجة والغابات المورّقة الرائعة على ضفتيه، يلي نهر الأمازون من حيث التنوع البيولوجي، ويعد مصدر الحياة لستين مليون شخص، يعاني اليوم من تأثيرات هائلة بسبب التغير المناخي والأعمال البشرية الصناعية، وبالرغم من تأثره بانخفاض منسوب الأمطار، إلا أن ذلك لم يمنع من التخطيط لبناء مئة وثلاثٌ وعشرون سداً على مجراه البالغ أربعة آلاف كيلومتر، اللذين سيُضافون للإحدى عشر سداً حالياً، وهو ما سيحول النهر إلى بنية تحتية من الهندسة الهيدروليكية، يقف خلف هذه المشاريع الفرعونية مصالح قوة إقليمية كالصين، دليل آخر على أنه لم يتغير شيء بعد وباء الكوفيد19، مما يعيد تشكيكنا بعلاقتنا المفترسة مع الطبيعة. نضيف إلى ذلك العديد من الأمثلة الأخرى، أخرها كارثة جبل الأورال واختلاط مياه الصرف الصحي في منجم النحاس المهجور ليفيخنسكي  مما أدى إلى سكب معادنه في أحد الأنهر وتلويث المنطقة بأكملها، لكن ذلك لم يحرك ساكناً، فالشركة المعنية لم تملك المال الكافي لتنظيف الحوض عندما أمكنها ذلك، واليوم بعد الكارثة البيئية أصبحت تكاليف الإصلاح البيئي أعلى بكثير ولا تنوي السلطات الروسية توفيرها – على الرغم من توافر الموارد والمال لسباقات التسلّح دائماً –وبالقرب من بلدي إيطاليا، عليّ الحديث عن تنقيب النفط في شرق البحر الأبيض المتوسط، والذي يهدد بكوارث بيئية مستقبلية، ويزيد من التوترات الجيوسياسية بين دول كتركيا واليونان وقبرص وإسرائيل، فاليوم وأكثر من أي وقت مضى تبدو صناعة الوقود الأحفوريّ سيدة الصراعات القادمة في المنطقة. نراقب الآن مدينتنا فلورنسا بتمعن، مندهشين من الهدية الإلهية التي سمحت لنا بالاستمتاع بالدومو أو بونتيفيكيو دون أن يخنقها آلاف السياح المتسارعين والمهووسين بالتقنية

ومع ذلك، لا نصدّق نحن سكانها أن الحكومة وإدارة المحافظة يفكران بإنشاء مطار فائق في فلورسنا لاستقبال الرحلات الجوية العابرة للقارات، والتي ستسمح ليس فقط بالآلاف بل بمئات الآلاف من السياح، بالرغم من احتجاجات المواطنين المحليين التي استمرت لسنوات عديدة حتى الآن

نرغب جميعاً بدفن ذكرى الإغلاق العام إلى الأبد، لكن إلى أي مدى دفعنا ذلك إلى التفكير بمقدار الضرر الذي قد يصيبنا إذا لم نغير مسارنا؟ للأسف لم نغير شيئاً

وعندما قلل أثرنا وأسلوب حياتنا على الكوكب لبضعة أشهر، فإنه لم يكن بفضل الدبلوماسية الدولية ضد الاحتباس الحراري، ولا للحراك البيئي أو الفوائد المالية من استبدال السيارات القديمة بسيارات جديدة أقل ضرراً بالبيئة، ولا بفضل إعادة نظر رئيس دولة قوية للموضوع، بل الشكر كله لفيروس، فيروس ملعون، وبمجرد تمكننا من احتوائه سيبدأ العالم بالجري مرة أخرى

تحيا “إعادة التشغيل”؟ لا، شكرا

الشيء الوحيد الحقيقي الملموس هو الانبعاثات الملوثة التي عادت إلى مستويات ما قبل كوفيد19 في حين أن التفاوتات الاجتماعية وعدم الاستقرار في سوق العمل لا تزال موجودة

يبرر هوس (إعادة التشغيل) كل الألفاظ النابية لأولئك اللذين يحتقرون الديمقراطية: من تفكيك اللوائح البيئية في الولايات المتحدة، إلى انتشار الوباء بين أفقر الشعوب الأصلية في البرازيل، والذي تم تشجيعه ضمنياً، ثم الدستورية الملفّقة، والاستفتاء الذي أعطى الرئيس الروسي صلاحية مدى الحياة من 1 يوليو، ثم للاعتقال الممنهج للعاملين في المستشفيات اللذين ينددون بسوء الإدارة الحكومية في مصر، أو قمع الاحتجاجات تحت حجة التباعد الاجتماعي في بلدان أخرى.  يبدو أن ازدراء الديمقراطية مصحوب بازدراء الكوكب، وازدراء السعي للحقيقة والعلوم، والطبقات العاملة، وإن كنت تعرف مثالاً مستبداً مستنيراً في العصر الحديث قام بخلاف ذلك، فضلاً أخبرني

بدأ الصيف مع نشراته المناخية المرعبة، وتقارير من صحافيين مملين حول الملذات العامة والخاصة، فبعد الإغلاق بدأ الكثيرون بالتبشير مجدداً، معبرين بآرائهم عن كل شيء للتأثير بالرأي العام والاستمرار في لعب دور في الساحة السياسية

وإذا تحدثنا عن فترة الإغلاق في التاريخ، وانعكاسها على التحديات الكبرى للإنسانية، فسنعود اليوم للتعامل مع السجلات اليومية وإحباطاتنا الصغيرة، حتى بعد إجراء غير عادي من الناحية السياسية مثل اتفاقية الدول الأوروبية بشأن صندوق التعافي

في وقت تنبأ به الكثيرون بموت أوروبا، استمر البعض بالتشاؤم والندب حتى بعد الاتفاقية (Recovery Fund)

في مقطع جميل من رواية ” الحرب والسلام ” رواية تولستوي، عن الكونت إيبوليت الذي أمضى حياته يجذب الانتباه إليه بخطبه في حفلات استقبال المجتمع الراقي في بطرسبورغ، بينما كان نابليون قد وصل إلى موسكو مع انسحاب الجيش الروسي

.”أدرك في ممارساته الكونت إيبوليت أن عباراته العشوائية “ربما ستنجح، وإن لم تنجح، سيجد الآخرون طريقة لإصلاح ذلك

يبدو لي أننا نسمح لأنفسنا بأن ننخدع بكلام “النبلاء” كإيبوليت، ونفقد الإحساس بإلحاح ضرورات الحاضر

اليوم في 27 تمّوز أبلغ الرابعة وخمسين عاماً، وأشعر ببعض الإحباط، لأنني أدرك أننا لسنا قادرين بما فيه الكفاية بخلق الثقة في مستقبل أفضل، اليوم ننتج أشياء كثيرة، العديد من السلع المادية، بعضها عديمة الفائدة، لكنني أخشى أننا توقفنا عن الإبداع أو الكفاح لخلق الأمل

انتحر صاحب الرؤية الاستثنائية ألكساندر لانجر قبل خمس وعشرين عاماً، بالقرب من فلورنساـ تاركاً على قطعة من الورق ” ما مدى صعوبة أن تكون حاملاً للأمل”

ربما جعله ذكائه يرى الأشياء مؤلمة لدرجة أنه لم يعد قادراً على تحملها، لقد تَركنا هنا، نحن لسنا قدّيسين ولا أبطال، نحاول استعادة معنى للحياة، نرتكب الكثير من الأخطاء، وأحياناً نحصل على بعض الإجابات، التي تجعلنا نلمح افتتاناً بالأمل

فكّر بالممرضات والأطباء وعملهم الصامت اليومي أثناء تخفيضات الرعاية الصحية العامة، والتي أدركنا حجمها فقط في خضم الوباء!

Rai1 والأمر الآخر الذي أميل إلى التفكير فيه اليوم هو الرجل على القناة الإذاعية

وكلامه الصحيح، ماذا لو توقفنا عن تسمية أنفسنا بـ “الحكماء”، ماذا لو اعتبرنا أنفسنا جميعاً أبناء

Homo Stupidus Stupidusالنوع

فصيلة الإنسان الغبي، نحتاج القليل من التواضع والرصانة، وهو ما أتمناه لنفسي ولكم في هذه السنة الجديدة من الحياة

فلورنسا، 27 تمّوز 2020

المصادر Resources

[1] Stefano Vecchia, “Siccità, dighe e inquinamento. In crisi la vita lungo il Mekong”, Avvenire, 24 luglio 2020.

[1] https://www.sciencealert.com/russia-launches-investigation-after-drone-caught-urals-mine-tainting-streams-orange

[1] https://english.alaraby.co.uk/english/news/2020/6/2/athens-rejects-illegal-turkey-drilling-plan

[1] https://www.nytimes.com/interactive/2020/climate/trump-environment-rollbacks.html

[1] https://www.theguardian.com/world/2020/jul/15/egyptian-doctors-detained-for-highlighting-covid-19-working-conditions

[1] Lev Tolstoy, Guerra e pace [War and Peace], ed. Garzanti, 1974, pag. 1047.

Translated from EN to AR by Dianthus.

Rispondi

Inserisci i tuoi dati qui sotto o clicca su un'icona per effettuare l'accesso:

Logo di WordPress.com

Stai commentando usando il tuo account WordPress.com. Chiudi sessione /  Modifica )

Google photo

Stai commentando usando il tuo account Google. Chiudi sessione /  Modifica )

Foto Twitter

Stai commentando usando il tuo account Twitter. Chiudi sessione /  Modifica )

Foto di Facebook

Stai commentando usando il tuo account Facebook. Chiudi sessione /  Modifica )

Connessione a %s...