يونيو، قليلا قبل منتصف الليل. دخل رجلان من الشرطة المصرية إلى مقهى للإنترنت في الإسكندرية.

“أنت خالد سعيد ؟”.

“أنا هو ، لماذا؟”.

“يا خنزير، أنت تسألني لماذا؟” جذب أحدهما خالد من رقبته و صدم رأسه في الحائط.

“ااااه .. دم” ـ يصرخ الشاب

“سأتركك تنزف حتى الموت، نحن نعلم أنك تملك شريط يديننا في عملية تهريب مخدرات من قسم الشرطة، و لهذا ستموت ، لا أحد يستطيع أن يقاوم طريقتنا هنا في مصر و لا يستطيع أحد أن يسألنا ماذا نفعل بها، لو أردنا أن نهرب مخدرات فهذه إرادتنا ، و لن يستطيع أحد أن يلمسنا لأننا تحت الحماية”، و ركل رجل الشرطة الثاني خالد في معدته، و بصق خالد سائل أصفر من فمه.

وإستطرد قائلاً “ما تسمونه الفساد هو ما نعيش عليه في هذه الحياة، من أصغرنا و حتى  رئيس هذا البلد ، وأنت لا شيء ، ولا يمكنك أن تقول شيئا”.

بينما تنفس خالد بصعوبة قام المخبران بجذبه  إلى رخامة جانبية و صدما رأسه فيها حتى تتهشم تماما.

و بعدها إستدار المخبران إلى الناس و قال أحدهما بصوت عالي : ” فاهمين حضرتكم ؟، فاهمين أنكم لا شئ، و لا تستطيعون أن تقولوا شيئاً، إذهبوا إلى بيوتكم أو إلى جوامعكم ، نحن القانون هنا ، نحن السلطة على رقاب الجميع هنا ، و لا تستطيعوا أن تفعلوا شيئاً”.

اقترب أحد المخبرين من رأس خالد و همس له، “هل تستطيع أن تسمعني؟ و أنت تبدو كالفرخة التي بلا رأس… حسنا إسمع … نحن القانون و القوة و لا تستطيع أن تلمسنا بسوء، و هؤلاء الذين يدعون أنهم يتكلمون باسم حرية التعبير و الديمقراطية و كل هذه الاختراعات الغربية الغبية سنسحقهم كما فعلنا معك ، لذا فلتصمت إلى الأبد”.

أخرج هذا المخبر من جيبه لفافة من نبات البانجو المخدر و حشرها في فم خالد و ضغط عليه حتى أصابه الاختناق، ثم حضرت شاحنة صغيرة، حملت جثة خالد و قامت برميها في ضواحي المدينة.

الحوار السابق هو محض خيال، الحقيقة هي مقتل خالد سعيد (28 سنة)، و كذلك التاريخ و مكان الحادث.

بالطبع خلصت السلطات لنتيجة مفادها أن تقرير الطب الشرعي عن تشريح الجثة يؤكد أن القتيل مات نتيجة لحادث ابتلاعه للفافة النبات المخدر و من ثم إصابته بأسفكسيا الاختناق و أنه لا توجد أي إشارات للتعذيب أو استخدام القوة من قبل رجال الشرطة. و بالطبع فالمخبران قالا بضع كلمات للشاب عندما قاوم اعتقاله و لكن لم تكن بهذا الوضوح.

إن ترك دليل مزور لإلقاء التهمة على أحد ما هي إلا وسيلة قديمة في التعامل. فكلما اقترب الدليل الوهمي من الجريمة الحقيقية ، كلما أصبح الحدث أكثر استفزازا، فرجال الشرطة المصريون المتورطون في تجارة المخدرات يستخدمون المخدرات لإلصاق التهمة بالضحايا بالطريقة نفسها التي سجلتها على الجنود الإسرائيليين و هم يخبئون منشورات المقاومة المسلحة بجانب بيوت الضحايا الفلسطينيين و يلصقون بها تهمة التعامل مع المقاومة المسلحة.

و لكن ما لم يقولاه المخبران هو عين ما يؤمن به الكثيرون في مصر.

استخدام العنف هو وسيلة النظام المصري لمراقبة و تحجيم الرأي العام المصري. في الثالث من مايو عندما قامت المعارضة السياسية و المدنية للحزب الحاكم بتظاهرة في وسط القاهرة للمطالبة بالحقوق السياسية و المدنية و إلغاء قانون الطوارئ و الإفراج عن المعتقلين السياسيين و انتخابات حرة و نزيهة، قامت قوات الشرطة بمهاجمة المسيرة و ضرب و اعتقال المتظاهرين رجال و نساء ، و هدد أحمد فتحي سرور رئيس البرلمان المنضمين للمسيرة بالملاحقة القضائية.

عندما يقرأ الواحد منا تقارير مثل تقارير “هيومان رايتس واتش” يصل إلى الصورة الحقيقية لقمع المعارضة المصرية. ففي عام 2009 قامت السلطات باعتقال الناشطين من أجل الحرية و حبست الصحفيين و المدونين و أعضاء من جماعة الأخوان المسلمين (الجماعة المحظورة التي تعتبر أكبر تكتل معارض في الدولة ). استخدمت السلطات السلاح في مواجهة المهاجرين و اللاجئين الذين يحاولون العبور إلى إسرائيل ، و بالقوة أعادت اللاجئين السياسيين و المهاجرين  إلى دولهم  حيث يمكن أن يواجهوا التعذيب. فقانون الطوارئ المصري (رقم 162 لسنة 1958) يوفر أساسا للاحتجاز التعسفي و المحاكمات الجائرة: فمنظمات حقوق الإنسان تقدر أنه ما بين 5000 و 10000 شخص تم اعتقالهم بدون توجيه تهمة إليهم. و عندما تتم مقارنة هذا الرقم مع 6300 معتقل فلسطيني لدى القوات الإسرائيلية في مايو 2010؟،يظهر سؤال مهم و هو كيف يمكن لمصر رفع صوتها احتجاجا على القمع الإسرائيلي.

القانون المصري المنظم للمؤسسات و الجمعيات الأهلية (84 لسنة 2002)، الذي ينصّ على عقوبات جنائية تخنق أنشطة المنظمات غير الحكومية الشرعية ، هو قيد المراجعة للحد من هامش الحرية في ضوء انتخابات الرئاسة في العام القادم.  القانون الذي يحكم الأحزاب السياسية   (40 لسنة 1977) يخول لجنة برئاسة الحزب الحاكم إلى تعليق أنشطة الأحزاب الأخرى “في المصلحة الوطنية”.

غضب المدونين

ولكن الهدف من هذا المقال ليس للتحقيق في القمع الداخلي في مصر. دعونا نعود إلى قصة خالد سعيد. بعد هذه المأساة ، استمرت وزارة الداخلية في  التمسك بحجة الاختناق من استهلاك المخدرات ، ولكن الطريقة التي خرجت بها القضية إلى الأضواء و أثارت غضب الشبان والآباء المصريين ، و جعلتها تخرج عن نطاق السيطرة ، وربما بطريقة غير متوقعة و لكن بالتأكيد تنويرية : شخص ما أخذ صورة لوجه خالد المدمر ووضعها على شبكة الإنترنت ، قبل التخلص من الجثة لاهتمام الرأي العام بها. ومن مدونة إلى مدونة، عن طريق إعلانات فيسبوك ، كانت الناس تدعو إلى الضجة الجماعية وتجمعوا في احتجاجات شبه منظمة ، والتي لا يوجد فيها واحد هو الزعيم.باستخدام شيء بسيط مثل صورة في وسائل الإعلام الاجتماعية وتبادلها عن طريق الهاتف الخلوي تم خلق ردود فعل اجتماعية تجمع المثقفين والناشطين مع الناس المتعلمين تعليما محدودا ، الفعل الذي وجد بيئة خصبة في المحيط الاجتماعي والروابط الأسرية في الحي الذي عاش به خالد. كان رد فعل عفوي ، ولكنه لم يكن غير منظم ، وكان رد فعل جماعي ، ولكن لا مركزي أيضا.

إسماعيل الإسكندراني، الباحث السياسي المصري الشاب يقول :” هناك عدد ضخم و مهم من الشباب المصري على دراية بتكنولوجيا المعلومات و يستطيعون استخدامها من أجل التغيير، بجانب الأفراد الطبيعيون الذين يناضلون بشغف من أجل حقهم في تحسين ظروفهم الحياتية من غير الانضمام إلى المعارضة السياسية بالضرورة”. فالناس العاديون في الأحياء الفقيرة في المدن (العشوائيات) يقومون ببناء المرافق الأساسية لمناطقهم ( مياه، طاقة ، صرف صحي، الخ) بدون انتظار السلطات العامة. يقوم بمساعدتهم المتطوعين الذين يتجمعون عن طريق الشبكات الاجتماعية و التي تقوم بتضخيم أعمالهم و أعدادهم, فعلي سبيل المثال تقوم الدعوة للتجمع في إحدى عشوائيات الإسكندرية عن طريق إعلان المكان و تاريخ التجمع على الشبكات الاجتماعية من خلال كمبيوتر محمول يجلس صاحبه لعمل الإعلان في فناء مكتبة الإسكندرية كنوع من تحدى و استفزاز قوات الأمن المصرية. إنها طريقة لإعادة بناء مساحات للعمل السياسي في المجتمع المصري بدون الخوض في اللعبة التقليدية لإنشاء التجمعات الأهلية و من ثم الهروب من القمع و الملاحقة. العصيان المدني هو أحد الحدود الجديدة التي تطمح إليها القوة السياسية الشابة في مصر.” إنها بالنسبة إلى أحد الطرق الغير تقليدية من النشاط السياسي و الذي سينتج عنه نتائج تقدمية تاريخية، بالرغم منه أنه عمل جماعي من مجموعات عمل غير جماعية” هكذا وضح إسماعيل الأسكندراني.

في سياق أن كل شئ ممنوع، فإن الشبكات الاجتماعية و وسائل الاتصالات الحديثة تمثل ثغرة أمنية تتيح تعامل أفضل مع النظام السياسي القائم ، و لهذا السبب فإن الحكومة تطبق قانون الطوارئ في مواجهة المدونين، فأول مدون تم اعتقاله هو كريم عامر (الاسم الحقيقي عبد الكريم نبيل سليمان)، و الذي تمت إدانته و حبسه لأنه قام بالكتابة عن التوتر الإسلامي- المسيحي في الإسكندرية و قام بنقد نظام مبارك و مؤسسة الأزهر الدينية.

وائل عباس تم اعتقاله لعدة ساعات في العام الماضي و ذلك لنقده للحكومة المصرية بالأخص لاستخدامها التعذيب و ذلك في مؤتمر بالسويد. عدد القضايا المتعلقة بقمع الحرية في التعبير في مصر المسجلة عن طريق الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان في عام 2009 تصل إلى 520 قضية، و منهم حوالي المائة خاصة بالمدونين، منهم من تم التعامل معه بطرق ملتوية مثل وائل عباس الذي تم حجزه بتهمة سرقة كابل الإنترنت.

“ربما أختلف مع وجهة نظر أو بعض الكلمات المهينة التي يستخدمها مدون في مواجهة الإسلام أو بعض الشخصيات السياسية، و لكنني لا أستطيع أن أتقبل أنه أو أنها يتم القبض عليه بسبب ما قاله، حتى لو استخدم أحدهم عبارات مستفزة في مدونته، لا أستطيع أن أتقبل أن يصبح اعتقاله مدخلاً قانونياً لتبرير اعتقال الشرطة للمدونين، نحن لا نقبل أن يتم اعتقال أحد بسبب ما يقوله” هكذا قال أحمد يسري ، المدون القاهري. شباب مثل أحمد ببساطة يحاولون أن يخلقوا مساحات يستطيعون فيها تخيل و مناقشة مستقبل بديل لبلادهم، تغيير يأتي من داخل المجتمع بطرق سلمية و غير عنيفة، كما حدث في الماضي.

“إن أسوء أعدائنا هو الفساد، و لكن أحذر: إنه ليس الفساد من نوعية أن الناس يفسدون النظام، إنه النظام الذي يفسد الناس . إنه النظام الذي لا يفرق تفرقة حقيقية بين السلطة التنفيذية و السلطة القضائية و السلطة التشريعية، إنه النظام الذي يقوم بعملية انتخاب طبيعي للفاسدين” هكذا أكمل المدون.

خالد قد مات، و لكن صورته لازالت ظاهرة على الفيسبوك. و حولها تحذير إلى مرتكبي الجريمة،:”كلاب النظام، من قتل يقتل، ولو بعد حين”. لقد قامت الجزيرة بتغطية واسعة لهذه القضية. ناظرة إليها بعيون أجنبية، فحتى بالنسبة لشخص يقوم بزيارات متكررة إلى مصر ، سيكون من الصعب قياس مدى إحباط الناس في هذا المجتمع، و كذلك يصعب قياس احتماله التغيير. و لكنهم الآلاف المطالبين بالحرية، و يمتلكون المهارات اللازمة لينشروا أراءهم . فمن خمس سنوات مضت كان عدد المتظاهرين في حركة كفاية حوالي المائتين و خمسون شخصا، هذه السنة الجمعية الوطنية للتغيير جمعت أثنا عشر ضعفا من هذا العدد في الشارع.

في العام الماضي قامت صحيفة الأهرام التابعة للدولة بنشر مقال تتهم فيه النشطاء ببث صورة سلبية عن حالة حقوق الإنسان في مصر حتى يحصلوا على مكاسب شخصية من خلال التمويل الأجنبي. هذا يذكرني بقصيدة  برتلوت بريخت التي كتبها بعد انتفاضة ألمانيا الشرقية عام 1953 ، و التي تقول:

بعد انتفاضة 17 يونيو

أمين السر لإتحاد المؤلفين

وزع منشورات في ستالينللا

توضح أن الشعب

قد فقد ثقة الحكومة فيه

و يمكن استعاد هذه الثقة

و لكن بجهود مضاعفة. لو لا أسهل

في هذه الحالة إن قررت الحكومة

أن تحل الشعب

و انتخب شعباً أخر؟

في بلد مثل مصر حيث 32% من تعداد السكان تحت سن 14 سنة و السن المتوسط هو 24 سنة، سيكون من الصعب حل الشعب و انتخاب شعب أخر، و هكذا يتجمد التغيير إلى الأبد، حتى لو لم يعد خالد سعيد موجوداً.

http://arabic.babelmed.net/dossier/39-generale-dossier/442-klab-elnezam.html

Rispondi

Inserisci i tuoi dati qui sotto o clicca su un'icona per effettuare l'accesso:

Logo WordPress.com

Stai commentando usando il tuo account WordPress.com. Chiudi sessione / Modifica )

Foto Twitter

Stai commentando usando il tuo account Twitter. Chiudi sessione / Modifica )

Foto di Facebook

Stai commentando usando il tuo account Facebook. Chiudi sessione / Modifica )

Google+ photo

Stai commentando usando il tuo account Google+. Chiudi sessione / Modifica )

Connessione a %s...